الفصل الثالث


في الصف الثالث أقصي اليمين

بالرغم من السعي الحثيث وراء الأحلام وتصبير النفس بالآمال فقد تأتي علينا بعض اللحظات التي نتمني فيها أننا لم نحلم هذا الحلم , أو أن الظروف كانت في عكس رغباتنا , تلك طبيعة في الانسان فما كان من بني اسرائيل عندما أغدق الله عليهم من النعم إلا أن طلبوا ما تنبت الأرض استبدلوا ما هو من فوق بما هو من أسفل , لقد تمنيت هذا .... ؛ تمنيت أن أكون بلا أخلاق لأفعل مالا أقدر عليه الآن , تمنيت أن أكون فقيراً فأتحول إلي غني وأصبح أسطورة , تمنيت أن أولد في قصر الحكم لأري ما هي أقصي أمانيي , بل تمنيت ألا أولد لأهرب من همومي ومشاكلي .

*******

... قلما تجد محاضرة مختلفه لمحاضر عبقري يستطيع أن يجذب انتباهك ؛ نعم قد أصبحت شيئا نادراً ولكن عندما يتواجد نكون معه بكل وجدانا لأن آباءنا غرسوا فينا الحب للعلم .

قد يكون السبب في كوننا شعباً لا يمجد العلم - يهتم فقط بهايف الجيل الذي استطاع أن يضم حوله العديد من المعجبين الذين يقال عنهم شباب المستقبل , أو حتي جاهل الجيل الذي يلتف حوله وللأسف البسطاء ليبدل لهم عقولهم ويحولهم من منتجين إلي أسو فئات المجتمع - أننا نريد حلا سريعا لمشاكلنا لا نقدر علي الانتظار والسعي لتحقيق الحل الجزري الصحيح , نسعي إلي الحلول المسكنه للآلام وبالتالي نحن كجيل استقينا هذه الصفة الشمطاء من عقول سابقينا , اذاً لما سيهتم من هو في وضعي بهذا المحاضر والذي في أغلب الأحيان لايكتثر لنا كثير كل ما يستطيع فعله هو أن يدخل ليمل علينا قواعده واشتراطاته ثم يشطح بفكره تاره وتاره أخري ينقل من بين الوريقات التي يحملها بيده ليكتب علي " السبوره " أو حتي يتحدث معنا في مشاكله العائلية ولتمر علينا تلك الدقائق التي يعتقد فيها المحاضر أنه يبذل قصاري جهده لكي يفهمنا ما لا يفيدنا كثيراً كأنها ساعات طوال لا رجاء منها .

من خلال المحاضرات الكثيرة التي استمتعت بها أو التي غطت فيها بالنوم لشدة مللها أعتقد أني استطعت اخيراً أن أحدد أنواع المحاضرين .

صنف يوحي لك بأنهم فشلوا في خوض المعارك مع الحياة القاسية فشلوا في مواجهة الحقيقة لذا اتجهوا الي الاختباء هنا ليعلمونا كيف نستطيع ان نواجه تلك الحقيقة التي هربوا منها ولكن هل فاقد الشئ يعطيه .., أنا شخصيا أعتقد أن فاقد الشئ يستطيع أن يعطيه لسبب بسيط أنه يعلم جيداً لماذا فقده لذا فإنه يستطيع أن يمنحك اياه , تجده يجهد نفسه ليعرف كل مايعلمه عن ما يدرسه لك من الناحية العلمية فقط أو كما نطلق عليها النظرية دون التطبيق , دائما ماتخاف من مواجهته - كعادة كل المحاضرين – وأيضا تجد له لازمه تجعلك تسخر منه دون ان تشعر بذلك , ولكنك سوف تجد المعلومة عنده وقد يخشي أن يمنحك ايها , وصنف أخر لا يعطيك إلا لما تحتاج من عناوين رئيسيه وعليك أن تبحث أنت علي باقي الفروع بل أحيانا يعطيك ما سوف يسئلك عنه وهؤلاء قله بسبب شدة نجاحهم في الحياة فلا يستطيعون أن يمدوك بالكثير لضيق وقتهم وتركيزهم في حل المشاكل الحياتيه وللأسف لا يصلحون معنا لأننا تعودنا منذ الصغر علي التلقيم لم نتعود علي كيفيه البحث والمشقه في التعلم , وصنف تجد فيه كل ما تريد أن تكون , نجاح في الحياة , نجاح في التدريس , نجاح في حب الناس وهؤلاء ندرة قد لا تجدهم , وصنف أخر لاقي نجاحات عظيمه في حياته حتي أنه بدأ يُمجد نفسه لايكتثر بك بل يعتبر كل من يجلس أمامه هو عبارة عن طفل صغير لا يفهم شئ بل يذهب به الكبر إلي الاعتقاد أنه – فلته – ولن يكون من بين الجالسين – الحمير والاعتذار للحمار - من يستطيع أن يجتاز نجاحاته .

للأسف الروح الجامعيه تأتي علينا بالكثير من المشاكل النفسية بل قل ان شئت أمراض نفسيه في نظري أولها هي السلبية المطلقة , فالطالب الجامعي يتخرج من كليته ضعيف الثقه بالنفس يشعر بالاحباط ينظر دائماً إلي نصف الكوب الفارغ لا يري الجمال بل قد يعتقد أن الجمال هو الشئ الشاذ في هذه الحياة .

*******

كان بجواري سمير عن اليمين وعن يساري سامي نجلس في الصف الثالث أقصي اليمين من المحاضر الذي لم يشغل نفسه كثير بمن هم دون الصف الأول , دائما ما يكتب سامي كل المحاضرة دون افلات نقطة أما أنا فلا أكتب لكل المحاضرين بعضهم فقط ممن أعتقد أني أستلطفهم أما سمير فيكتب المحاضرة من أولها ثم يفقد الحماس في الثلث الأول من المحاضرة ليترك القلم ويلعن السبب الذي أدخله هنا.

اليوم المحاضرة في علم الديناميكه الحرارية أحد العلم الأساسيه لطلبه الهندسه المختصين بالميكانيكا , صراحة تلك المادة من المواد التي أعشق قراءة الكتب فيه وبالرغم من عدم نجاحي بدراجات أعلي من جيد فيها إلا أنني قرات أربع أو خمس كتب فيها وقد شاركني في ذلك سامي وسمير ومع حبنا الجامح لها إلا أن المحاضر يأبي أن نحبها لقد ألزمنا بأن نكرهها من كرهنا له ذلك المحاضر الذي تجاوز عقده الخامس أراه دائم النظر بصغر من فوق نظارته العتيقه التي تقترب من سنه يعاملنا علي أننا حيوانات تجارب ليس لها حق ابداء الرأي بل إنني أعتقد أنه يقوم بتجارب معمليه علينا ليكتشف إلي أي مدي نستطيع تحمل الإهانه دون القدره عن الدفاع عن النفس أو حتي رد الاهانه , هل لأنه أكبر سننا منا ولأن اسلامنا أمرنا باحترام الكبير يجب علينا أن نصمت ونحن نهان ؟! هل احترم هو جانبه من الحديث الشريف بالعطف علي الصغير حتي نحترمه ؟ وهل العطف هنا يعني عطف الشفقه ؟ ... , أنا أري أن العلاقه بيني وبينه المفروض أن يحكمها المرتب الذي يتقاضاه من الجامعه مقابل تدريسي فأنا لا أقبل بهذا أباً , نعم أنا أتمني أب غيره من معلميني الذين أحترمهم حبا لهم وليس خوفاً منهم أما من هم علي شاكله هذا الرجل فأنا لا أستطيع أن أرد عليه السلام اذ رأيته في الشارع لشدة كرهي له وهذا ما صنعه هو ولست أنا فلقد جنت علي نفسها مراكش المثير للسخرية أن كل الأساتذه يتحدثون عن كونهم أباء لنا ونحن أولادهم فقط عندما يشعرون بفقد الثقه في نفسه أو لتبريره لفعل قد ارتكبه في حقنا ولا أعتقد أنه يتذكر أنه والد لنا عند تصحيحه لورق الإجابة , وتلك أيضا من الأفكار الغربية التي أريد بشده أن أعرف من صاحبها " ده زي أبوك برضه " لفظ تسمعه كثيراً عندما يتشاجر اثنين يكون أحدهما طاعن في السن بل إننا نسمعها بشدة عندما يتحدث الإعلاميون عن الرئيس وعلاقته بشعبه , وإنني أضحك كثير عندما أرجع بالزمن إلي الوراء في عهد الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم لم أسمع عن أحد من الصحابه يتحدث عنه كأنه أبوه نعم كان يقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله ولكنه لم يقول " دانتا زي أبويا "والفرق ساشع بالرغم من انه يستحق تلك المنزله منزله الأب الذي لايخطئ أبداً الأب صاحب الروية المطلقة صاحب الفكر العبقري التي يتفرد بها آباء هذا الزمان دون غيرهم من الأزمنه الغابرة.

الشئ المثير للدهشة أن تلك المادة يدرسها لنا اثنين من الأساتذه أحدهما أكن له كامل الكره والأخر أحترمه جداً لدرجه أننا أحيانا أراه مثلاً أعلي لي - بس مش زي أبويا - انها حقا سخرية القدر .

*******

دئماً ما يترأي لفكري ماذا لو كان لنا الحق في اختيار المدرسين والمساعدين من بدايه العام الجامعي أعتقد أن ذلك في بداية تطبيقة في السنوات الأولي سيكون بالكارثة التعليميه قبل النفسيه ولكن ماذ بعد عدة سنوات , سيسعي كل من الاساتذه الكرام للبحث عن الأسلوب الأمثل للمعرفة وللعرض سيذهب كل منهم إلي التنافس من أجل سلعه أفضل والمستفيد الأول هو أنا كطالب بل إنني سأذهب إلي مرتب المدرس ماذا لو كان المرتب الأساسي له فلنقل خمسه ألاف جنيه كمدرس ليزيد بعدها حسب ما أنتجه من أبحاث تضيف الجديد لنا ويكون التدريس ذو مقابل آخر تماماً حتي لا يكون هم المدرس منصباً علي التدريس فقط وحتي لا نري رئيساً للقسم بالأقدمية أو عميداً للكليه لايفقه كيفيه الادارة أو التعامل مع الطلاب قد يكون ذلك الفكر خيالي بعض الشئ ولكني أراه الأنسب وأنا لاأري أن الحياة الجامعيه ستستقر خلال عام واحد أو اثنا بل يجب أن يحدث ما يطلق عليه بالفترة الانتقالية والتي دائما ما تتسم بالعشوائية والتخبط ولكني أري بعدها الرحله إلي النعيم والاستقرار , قد يري بعض الأساتذه أن اختيار الطلبة لهم وتفضيل أحدهم علي الأخر هو عيب و قله احترام ... انتظر لنرجع الي الوراء في الزمن لنقل منذ ألف عام في قمه الحضارة الاسلاميه ماذا كان طالب العلم يفعل ؟!!!

كان يذهب بنفسه إلي الأستاذ يبحث عنه ويختار من بين الأساتذه يترك القريب من بلدته ويذهب إلي البعيد ,أعتقد أن هذا لم يكن لأن البعيد يمتاز بالعلم فقط بل أيضا بالأخلاق في التعامل وفي لغة الحوار وإن لم يكن ذلك فإني أعتقد أن أعظم عالم علي الأرض هو إبليس لعنه الله فهو موجود علي الأرض مع أبانا آدم و أكيد له من العلوم ما لا نعرف عنها شيئا وقد يكفي أنه يعلم كيف بني الفراعنه الأهرام فهو أعظم عالم علي الأرض .

*******

بعد مرور ما يقترب من النصف ساعه رمي سمير القلم ونظر إلي قائلاً : نفسي أكتب محاضرة للأخر ونفسي كابتن حميد ده يبطل تقل الدم اللي فيه ده شويه , يعني هو مش عارف ان نص اللي بيضحكو دول بيضحكوله مجامله , اااااه ... أشد في شعري .

- اهدي يا عم شويه يعني هي أول مرة نحضر عادي بقه ..., أنت عارف

- سمير مقاطعاً كلامي : لا مش عارف

- طيب سبني أخلص للأخر ... , أنا نفسي أخترع حاجه كده تخليني أنتقل في أي مكان زي الواد بتاع فلم جامبر عارفه .

- سمير : لا منتا عارف انا مليش في الأجنبي قد كده

- بص هو بيبقي قاعد في أمان الله في أي حته يجي في خياله مكان تاني أو يشوفه في صورة فيفكر فيه ثانيه كده ويبقي هناك

- سمير : اه كويس بس هتعمل بيه ايه هنا

- هعيش حياتي بره وأول مايجي وقت الغياب أجي علي طول أخد غيابي وخلاص بيس

شرد لبعض ثواني ثم عاد قائلا : أو تنط في الكنترول بليل وتغير درجات ولا تذلكر ولا نيله

- سامي : ممكن تبطلو شويه عبط وتخلوكو معايا في المحاضرة الزباله دي , أنا تهت ومش فاهم أي حاجه

- يا عم واحنا نعملك ايه محنا أكيد العن منك

سمير : اسكت بقه يا فاروق عدنه يفهم علشان يبقي يشرح لنا أحسن يضيع ويضيعنا معاه

- يا عم ماتخفش أنا متفائل , ان شاء الله ناجحين

- سمير : أمين

سامي ينظر لنا باستغراب ويرجع بالنظر إلي المحاضر فيفاجه سمير بقوله : قول أمين ياد أحسن أغزك

- سامي : يا عم أمين بس بمذاكره مش بجامبر بتاعكم .

نكمل باقي المحاضرة في توزيع النظرات بين الجالسين والمحاضر , فتري العجب ولأني من الطبقه الوسطي " بين الطلبة " فأنا أجلس في الأمام وأحيانا في الخلف وأحيانا في المنتصف .

يعتقد الكثير من المحاضرين أن من يجلس في أول صف هو حريص علي الفهم و من يجلس بالخلف هو الفاشل وصراحاً هذا حقيقياً في فترة الخمسينيات عندما كان هذا المحاضر مكاني هنا ولكن الآن الأمر يختلف تمام فمثلا عندما يدخل لنا محاضر مثل الأستاذ حميد نحرص علي أن نجلس في الصفوف الأولي ليس اهتماماً منا بالدرس ولكن لأنه يعتقد أن كل الشغب يأتي من الخلف فنستطيع أن نتحدث ونأكل وأحيانا ننام دون أن يشعر بنا لأنه يريد أن يقتنص أحد الطلبة الذين يتحدوث في أخر المدرج وأحيانا أخري يكون الحضور للغياب فقط وهنا يتاح لك الجلوس في أي مكان ولكن المهم ألا تنام وقت النداء وان حدث فكلف من بجانبك أن يوقظك من النوم ومن ناحية أخري في محاضرة الأستاذ عماد تجد من هو في أخر المدرج أحرص من أول واحد لسماع ما يقال والتركيز فيه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق