الفصل الُثاني


الفصل الثاني

الكافيتريا


في البدايه لا أذهب الي الكليه مباشرةً بل أذهب الي الكافيتريا الموجوده في الناحيه المقابله لها فاني افضل دائما الذهاب في الصباح الباكر قبل المحاضرات لاتناول الافطار الأساسي اذ اني بالمنزل لا استطيع تناول الطعام كما أطلق عليه " فول تانك" بل تكون مجرد مسح " زور ".

أحبذ أن أجلس بالخارج مطلاً علي الطريق لأري الماره , علي احدي جانبي الطريق تجد رجلاً يطل علي نهايه الاربعين لديه شارب يميل الي الابيض اكثر من الاسود وبشرته قمحيه اللون لفحتها سخونه الشمس دائما تجده جالساً بجانبه لوحه من الخشب مقسمه الي أرفف تمتلئ في الصباح بمعظم انواع السجائر المعروفه والمجهوله الهويه , المصريه منها والمستورده وفي اعلي رف تجد الكثير من الولاعات وعلبتين كبريت دائما ما يسطر الصمت علي شفتيه لا تجده يتكلم الا نادرا اذ أن معظم زبائنه يأتون ليصوبوا باعينهم علي نوع السجائر التي يشترونها مولجا يده في جيبه ليخرج ثمنها ثم يتناولها بيد وبالاخرى يناول الرجل ثمنها وينطلق , تسعون بالمائه من المدخنين يحفظون أسعار جميع الانواع يعلمون ماذا يشترون قد تكون تلك السلعه الوحيده التي لا يحدث عليها مظاهره او اضراب اذا زاد سعرها بل ان سعرها يكون معروفا قبل ان تزداد .

ومن متابعه هذا الرجل تستطيع معرفه طبقات الطلبه ... نعم معظم زبائنه هم الطلبه والحمد لله اذ انني لست واحدا منهم حتي الان - ولا أريد لا قدر الله ان اكون منهم – فتجد منهم من هو من الطبقه الوسطي يشتري في بدايه الشهر نوعا من اغلي الانواع ثم بعد يومين تذهب يده مباشرة الي النوع المصري الرخيص حتي يستطيع ان يكمل الميزانيه مستقيمه الي نهايه الشهر أو من هو من طبقه تحت المتوسطه قليل فهذا يشتري ثلالث سجائر بثلاث وهكذا .

قد يكون هذا الرجل من الاوبئه المستديمه الموجوده بالشارع المصري وخاصه التي تتعامل مع الطلبه ولكنه يعتبر الملجا الاول لكثير من الطلبه الذين ضاقت بهم الحياه ووقوع بين رحي مشاكل البيت وتذمتات المدرسين , احيانا نريد أن نهرب من المضايقات المستمره , فلا نجد سوي تلك البوابه الصغيره التي يجلس علي بابها بائع السجائر لنلج منها لا أبالغ في تلك الكلمات إنني أتذكر احصائيه قمت بها وبعض من زملائي الناشطين اجتماعيا السنه الماضية فوجدنا أن من عدد عشر طلاب يوجد ثلاثه فقط لا يدخنون وبطبيعه الحال من يدخن يريد أن يجرب شئ جديد بعد ذلك وأني لا أري في ذلك مشكله مادامت السلطه المسئوله لا تري في ذلك مشكله فيكفي ما بيننا من تنافر سياسي فلا أريد أن الحقه بتنافر اجتماعي ؛ بل انني في بعض الأحيان أعتقد أنها سياسه للدوله تغمض بها أعيننا حتي لا نقدر علي التميز فيما يحدث من حولنا , وإني لأجد مبررها في ذلك أنها لا تريد اطلاق طاقه الشباب في التدمير والانحراف الناتج عن التغيرات الفكريه أو غسيل الأدمغه للشباب من قبل الأفكار المنحرفه ولكن اذ وجد بالفعل شئ يستطيع أن نخرج فيه طاقات الشباب ونوجهها نحو الافضل أما يكون هذا أفضل ؛ ألا يمكننا أن نتنازل عن مقاعدنا العتيقه التي لا يزال البعض يجلس عليها منذ عده عقود وننزل إلي الشعب ونري بأعيننا مشاكل الشباب لا ننتظر أن ينقلها لنا تقرير أو محادثه تليفونيه علي احدي القنوات الفضائيه .

في أول سنه لي بالكليه تعرفت علي رامز ؛ في بدايه معرفتي به كان طموحا يشع أفكار و رؤى ولكن الآن بعد مرور سنتين أصبحت السيجاره لا تفارق شفتيه واليأس والحقد يتعرش جبينه للأسف انهار أمام احدي التجارب القاسيه التي نعانيها بالكليه لقد ضحك باحدي المحاضرات ليجد الدكتور المحاضر يطرده خارج المحاضره لا ذلك فقط بل توعده بألا ينال شهادته الا بعد ثلاث سنوات ولا يزال رامز في السنه قبل النهائيه ينفذ حكم المحاضر عليه .....

*************

أجلس منفردا لبعض الوقت لا أطلب شيئاً ولكن أنتظر حضور أي من أصدقائي والذي غالبا يكون أولهم سمير وهو بالطبع من المدخنين ؛ تتمايل عيني علي الجهه الآخر من بوابه الكليه فتجد المكتبات المحيطه بنا وماهي الا لحظات حتي يأتي سمير ؛...

سمير هو صديق عزيز تعرفت عليه في أول شهر لي بتلك الكليه , شخصيه مرحه دائما ما تسعي الي التميز ولكن علي طريقته الخاصه , وجهه مشرق مرسوما علي جبهته الامل وان كان في بعض الاحيان ينقلب الي يأس , ذو طابع كلاسيكي في اختياره لملابسه ... شاعراً ... عاشقاً ... هائماً ... عاقلاً ... محباً للحياه

- سمير : صباح الخير يا عمنا

- باشا ؟؟؟ عامل ايه ؟؟؟

تمايلت واقفا مقدما يدي لأسلم عليه , ثم جلسنا وعندها جاء أحمد ليأخذ طلباتنا .

- العادي بتاعي يا احمد اتنين وواحد !!!

ثم التفت الي سمير قائلاً : بجد الفول ده أعظم أكله ف العالم .

بدأنا بالفعل في تناول الافطار متجاذبين أطراف الحديث عن الأحداث الجاريه المشتعله دائما ما أبد الحديث ويقوم سمير بعمل أبيات شعريه من كلماتي كنوع من مضايقتي ؛ سمير شخصيه من العظماء الذين قلما تقابلهم في حياتك عندما تجلس تتحدث معه تجد عقليه فلاح بسيط جدا ولكن عندما تستمع اليه وهو ينسج الشعر توقن أنه هوالفلاح الفصيح .

الكافيتريا التي نجلس عليها مكان استراتيجي " كما نسميه " وذلك لأنه لا يستطيع أن يدخل أحد الكليه دون أن يمر أمامنا وتلك هي متعتنا في الكلية .

صحت قائلاً : كوبايتين شاي فتلة .

لكي نكمل الافطار أو كما نطلق عليه في العاميه " نحبس الفطار " , وددت أن أعرف من أول شخص أطلق تلك الكلمه علي شرب الشاي بعد تناول الطعام نحبس " انه مصطلح أمني نعرفه جيداً هل هذا يعني أن من اخترعها كان من الشرطه أم إنه من عامه الشعب وأطلقها تهكماً علي الأمن يا ربي إلي كم نحن سنفتقد المصطلحات الأمنية اذ ما تحولنا لاقدر الله إلي الديموقراطية .... , لقد عدت ثانيه إلي تخاريف الرحمة من عندك يا إلهي .

في تلك الأثناء انضم الينا سامي الصديق الجديد كما أطلق عليه .

بعد دقائق وعندما شرعت في تناول أول رشفة من قدح الشاى ترائ لأنفي رائحة اعتد عليها كثيراً رائحه معشوقتي فأدرت وجهي لم أستطع أن أري إلا ظهرها وشعرها الأسود المنسدل علي كتفيها وضعت كوب الشاي وأنطلقت وراء صاحبة الرائحة العطرة .

- لو سمحتي

فاستدارت لي وهي تحمل كوباً من الشاي ما ان لمحت عيناها حتي تسمر لساني في قاع حلقي لم أستطع سوى أن أضيع في سواد عينها ناسيا كل ماحولي

- أيوه ..... انته في ايه !!!

- أنا آسف افكرت واحده تانية

رمقتني بنظرة وكأنه تقول لي أيها المعتوه .. اه لم أستطع أن أتحرك للحظات فقط وقفت أتذكر جمال عينها والسواد الكاحل الذي يجذبك بشدة الي الداخل يقولون ان العين هي مدخل الروح أو مرآة الروح ولكن تلك العينين لم تكن كذلك بل كات متاهه تجعلك تتخبط في وضوح النهار .

رجعت الي مكاني واخذت أكمل كوب الشاي شارداً في كيفية التقرب من صاحبة العيون السوداء ولكن قطع علي التخطيط سامي الذي انطلق صائحاً : جووووووون ... ايه يا معلم هو انت بتحب تنوع ولا ايه ؟!

- لا.. دي مجرد كده يعني .. ممكن تقول لوحة جميله مينفعش متبصلهاش

- اه بس انت قولتي قبل كده انك بتحب ومينفعش تعرف واحده تانيه ولا ايه .. هه ؟

- "ولاه " .... اركن

وكالعادة أخذ سمير يضحك ضحكته الخبيثة التي قد لا تراها إلا علي وجه الشرير في الأفلام الأمريكية ولكني لم أعره اهتمام واطلقت نظري الي الناحية الاخري وجعلت افكر في حبيبتي نورهان الغائبه عني قد يكون بينا مئات الاميال قد يمر الوقت بملل عندما لا أتحدث اليها قد تكون الدنيا كلها عائقاً بيننا ولكن قلبي يتفحم من شوقي اليها لصوتها وعينها وضحكتها وخفة روحها .

شرعت في اكمال كوب الشاي وأنا أفكر في حياتي وما أفعله بها لقد صرت اليوم مجرد انسان آلي يتحرك تبعاً للبرنامج الذي صمم عليه , نعم في الصباح أذهب إلي الكلية لأقابل بعض الأصدقاء وأحضر بعضً من المحاضرات - ده لو عندي مزاج يعني - ثم أجلس مع أصدقائي ثانيةً ومن ثم أرجع إلي المنزل كي أنام وأحاول أن أستيقظ في اليوم التالي لأكرر نفس الروتين اليومي وكأنني شخص معاق لا أستطيع أن أكون ذكريات جديدة مجرد أنني أكرر كل يوم ما فعلته باليوم السابق لأنني أنسى ما سبق أن فعلته ؛ ما أسمعه دائماً أن الحياة الجامعية ما هي إلا بوابة الحياة المستقبليه هي التي تجهزك لحياتك القادمة , ولكن كيف .... ؟ كيف وأنا أكرر ما أفعله ولا أجني تجارب جديدة إلا عديم الفائدة ؟ كيف وكل ما أفعله هو مجرد طيش شباب سينتهي بانتهاء تلك المرحله العمريه ؟!! لأبدأ حياة جديدة , حياة ما بعد الجامعة ... فقط أبدأ من جديد أجرب كل شئ لأنني لم أتعلم شيئاً مسبقا .

سامي مقاطعاً تفكيري العميق : أنا ممكن أروح وأجي بعدبن لو حضرتك مش فاضي .

- لا ... أنا فقط كنت أحاول أن أتذوق الشاي .

- سامي : يخرب بيت لغتك الفصحي ايه الحلاوة دي .

- ماشي علي راحتك ... أمال الشلة فين ماشفتش وش حد يعني

- سامي : زمانهم جاين يا عم انت بس اللي سرحان فالوقت طول معاك

- سمير : عملت التقرير اللي حيتسلم النهاردة

- سامي : بتاع مين ........افحمني

- بتاع مصطفى يا عم

- سامي : اه ...لا

دائما ما تمتلئ أيامنا بنقل التقارير ليس تقصيراً منا ولكن لكثرتها فنتعاون علي اتمامها في جماعات كخليات النحل احيانا عندما تأخذني الجلاله وأتعب في عمل التقرير وأجهد عيني من السهر يرفضه الدكتور لوجدود الاخطاء أو لعدم رقيه إلي المسوي الذي يريده ولا يكتثر بسهر الليل أو الارهاق الذي ألم بي من جراء هذا المجهود العقلي اذاً ماالفائده من أرهاق الجسم في حين أن النقل أوفر في الوقت والجهد ويحقق ما يطلبه المستمعون ؛ إنه حقاً لتعليم جامعي !!!

*************

كثيراً ما كنت أتخوف من التحول إلي تلك الشخصيه الغبيه التي يعتقد صاحبها أنه يستطيع التحكم في مشاعر من حوله ليحقق الراحه النفسيه له لايهتم بمشاعر من يحبونه , قد يكون مخادعاً ولكني أراه مريضاً نفسياً قبل أي شئ آخر .

فقد تعيش حياة مزيفه تتدعي فيها أنك المخلص والحامي والمقدام وما أنت سوي متوهم بل الأدهي ان يكون لديك القدره علي اقناع من حولك بذلك لتجد لنفسك أتباع يؤكدون لك تلك الفكره , قد تفلح وترتقي سلم المجد الوهمي ويرتفع معك اسمك بين الناس ولكن فجأه وبعدما يخيل لك أنك جمعت كل ما كانت تطوق له نفسك , تجد صحوه عاصفه بين جنبات وجدانك واستفاقه لضميرك إن كان بقي منه شئ , لتصاب بالكبت والضيق والخوف من لا شئ لتكتشف ساعتها أن راحه البال هي سراب الذي لم تستطع يوماً أن تجده بل انك كنت توهم نفسك بذلك .

*************

في معظم جلساتنا علي الكافيتريا كنا دائما ما نتناقش في أي موضوع وكنت دائم الصمت لا أتحدث إلا في النهايه وكانت تلك هي مخاوفي لأن معظم أصدقائي كانو يجدون الرأي السديد عندي , وللأسف فأنا أعتبر نفسي عبقريه متفرده من نوعها قادماً من ناحيه بعيده من الزمان أتيت في زمن غير زماني قد أكون سبباً في اصلاح فاسد وقد أكون سبباً في افساد صالح !!!

مر الوقت وانطلقنا نحو الروتين , تباطئنا في المشي تجاه بوابة الكلية لا أعرف ما السبب ؛ قد يكون خوفاً مما يحمله المستقبل من أحلام نوقن أنها زائله من قبل أن تولد , أو آمال نعلقها علي أي شئ قد يحمل في طياته حياة أفضل .

للوهل الأولي عند دلوفك من البوابه يهئ لك الأمن والراحة النفسية لما تراه من أشجار وزهور تملأ جانبي الطريق تقول لك مرحبا وتبتسم لك ولكن يقطع هذه الراحة التشديد علي البوابه والتفتيش والمضايقات , اعلم أنها مهمة وضرورية ولكن ليس لتلك الدرجة المشكوك في نزهتها والتي تصنع جداراً شديد العزلة بيننا .

***

*********

*****************

*********

***

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق